محمد بن جعفر الكتاني
5
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
آلاف من الخلق كثيرة ، وشملت أمة عظيمة ، وقد كان بانيها ، رضى اللّه عنه ، يدعو لسكانها يوم حفر أساسها ، حسبما هو مذكور عنه ؛ فكيف لا يكون فيها إلا ذلك النزر اليسير الذي تضمنه كتابي المذكور - يعني " الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس " - فلا جرم أنها احتوت على خير كثير ، وفضل كبير ، لم يحوه غيرها من مدن الغرب » . « قلت - أي : قال صاحب كتاب " سلسلة الذهب المنقود " - وكيف لا تكون جامعة لأكثر من ذلك ، وحاوية لما لا يحصى من الصلحاء والعلماء الذين هم على مذهب مالك ، وهي مدفن الإمام إدريس - رضي اللّه عنه - ومحل فحول العلم والتدريس ، وقد قيل في حاضرتها : يكاد العلم ينبع من حيطانها ، وما ذاك إلا لكثرة من حل واديها من صلحاء الأنام ، ونشأ بها من الأئمة الأعلام ، الذين يستضاء بأنوارهم ، ويتنعم في رياض أزهار علومهم ، وذلك كله رشفة من بركة دعوة بانيها ، الذي عمر اللّه به ناديها ، وتكاثرت مزاياه حتى فاقت العد والإحصاء ، وتشعشعت أنواره وتفضل به المولى على أهل هذا المغرب الأقصى ، فاستهل به هلال بضعته ، صلّى اللّه عليه وسلم الطاهرة البتول ، وسلالة ابن عمه الهاشمي الأصول ، الذي حلى اللّه به من هذه الأصقاع جيدها العاطل ، وجلا به عن هذه البقاع الضلال والباطل ، الإمام الهمام أبو العلاء مولانا إدريس ابن مولانا إدريس بن مولانا عبد اللّه الكامل ، نفعنا اللّه ببركاتهم ، وحشرنا تحت ظل راياتهم ، وجعلنا من أهل محبتهم وشفاعتهم . . . آمين . » . « فظهر بهذا : أن ما ذكره المؤرخون بمدينة فاس من علمائها ، بالنسبة لما أغفلوه من أئمتها وصلحائها ، هو نزر يسير ، وقليل من كثير ، ولم يبق له بها ذكر في الغالب إلا من له تأليف يكون ، باسمه موصوف ، أو بناء مشيد على قبره معروف ، ولم يكن للمتقدمين بكلا الأمرين اعتناء [ 4 ] . أما الثاني ؛ فلما يعرض له من المباهاة المحرمة بسبب البناء . وأما الأول ؛ فمعلوم من تحقيق المغاربة عدم التسارع للتصدي للتآليف ووضعها ، اكتفاء بكتب الأقدمين لاستيعابها أصول المسائل وجمعها : لم يدع من مضى للذي قد غبر * فضل علم سوى أخذه بالأثر « فقد كانوا - رضي اللّه عنهم - مع جلالة علومهم ، ووفور ديانتهم وعقولهم ، كثيرا ما يتهمون أنفسهم بالعجز والتقصير ، ويرون أنهم ليسوا أهلا للتأليف والتصدير ، ركونا منهم لزوايا الخمول ، وإيثارا للنجاة خوف أن يكون العمل معلولا ، وسلوكا لطريق السلامة ، الذي هو دليل على متانة الدين وعلامة ، ولذلك قلت لهم المؤلفات ، التي هي سبب للشهرة في الحياة ، وبقاء الذكر بعد الممات ، فتجد العالم إذا لم يؤلف وأدركته الوفاة ؛ ينقطع ذكره كأن لم تتقدم له حياة ، فكم شاهدنا من عالم كبير من شيوخنا وغيرهم زين اللّه الدنيا بزاخر علومه ، لم يبق له بعد موته ذكر يحيي ميت رسومه ، ولا أمر يدل على مطالع نجومه » ، انتهى كلامه بلفظه .